وهبة الزحيلي
7
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الإرادة للمشارفة ، كما أستعير لها الهم والعزم فَأَقامَهُ الخضر بعمارته ، أو بعمود عمده به ، وقيل : مسحه بيده فقام كما روي عن ابن عباس ، وقيل : نقضه وبناه ، وهو الشائع . لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً جعلا ، حيث لم يضيفونا ، مع حاجتنا إلى الطعام ، وهو تحريض على أخذ الجعل للارتفاق والانتعاش به ، وتعريض بأنه فضول واشتغال بما لا يعنيه . قالَ : هذا فِراقُ أي قال له الخضر : هذا وقت الفراق بيني وبينك سَأُنَبِّئُكَ قبل فراقي لك لِمَساكِينَ عشرة يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ يعملون بها مؤاجرة لها ، طلبا للكسب وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ أمامهم الآن ، أو خلفهم إذا رجعوا عليه ، وكان رجوعهم عليه ، واسمه : جلندي بن كركر ، أو منوار بن جلندي الأزدي ، وهو ملك كافر يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْباً من أصحابها ، منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ . أَنْ يُرْهِقَهُما أن يغشاهما طُغْياناً وَكُفْراً لنعمتهما بعقوقه ، فيلحقهما شرا ، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره ، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر ، أو يصيبهما بالعدوى فيرتدا بإضلاله ، جاء في حديث مسلم : « طبع كافرا ، ولو عاش لأرهقهما ذلك ، لمحبتهما له ، يتبعانه في ذلك » قيل : اسم المقتول : خيسور . خَيْراً مِنْهُ زَكاةً أي صلاحا وتقى وَأَقْرَبَ رُحْماً أقرب منه رحمة ، وهي البر بوالديه ، فأبدلهما تعالى فتاة تزوجت نبيا ، فولدت نبيا ، فهدى اللّه تعالى به أمة . وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما الكنز : المال المدفون من ذهب وفضة وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً كان أبو الغلامين تقيا صالحا ، فأكرمهما اللّه بصلاحه في أنفسهما ومالهما . قيل : كان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء ، واسمه كاشح أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي إيناس الرشد ، وكمال الرأي ، قيل : اسمهما : أصرم وصريم رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي مرحومين من ربك ، وهو مفعول لأجله ، عامله : أراد وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي أي ما فعلت ما ذكر من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار ، باختياري ، بل بأمر إلهام من اللّه ما لَمْ تَسْطِعْ ، أي تستطع ، يقال : اسطاع واستطاع بمعنى أطاق ، فجمع بين اللغتين . المناسبة : الكلام واضح الصلة بما قبله ، فهو في قصة موسى عليه السلام مع الخضر الذي خصه اللّه بعلم لم يطلع عليه موسى النبي ، كما أنه تعالى أعطى موسى بن العلم ما لم يعلّمه الخضر . وهذا أي قتل الغلام هو الحادث الثاني بعد خرق السفينة الذي